فصل: قال الألوسي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال الألوسي:

{وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ}.
الآية إلى آخرها حكاية لما قالوا عند سماع الآيات الناعية عليهم فظاعة حالهم ووخامة مآلهم أي وإذا تتلى على المشركين {ءاياتنا} التي من جملتها الآيات السابقة {بينات} أي ظاهرات الإعجاز تحدي بها فلم يقدر على معارضتها أو مر تلات الألفاظ ملخصات المعنى مبينات المقاصد إما محكمات أو متشابهات قد تبعها البيان بالمحكمات أو تبيين الرسول صلى الله عليه وسلم قولًا أو فعلًا، والوجه كما في (الكشاف) أن يكون {بينات} حالًا مؤكدة لمضمون الجملة وإن لم يكن عقدها من اسمين لأن المعنى عليه.
وقرأ أبو حيوة والأعرج وابن محيصن {وَإِذَا يتلى} بالياء التحية لأن المفروع مجازي التأنيث مع وجود الفاصل {قَالَ الذين كَفَرُواْ} أي قالوا.
ووضع الموصول موضع الضمير للتنبيه على أنهم قالوا ما قالوا كافرين بما يتلى عليهم رادين له أو قال الذين مردوا منهم على الكفر وأصروا على العتو والعناد وهم النضر بن الحرث وأتباعه الفجرة فإن الآية نزلت فيهم. واللام في قوله تعالى: {لِلَّذِينَ ءامَنُواْ} للتبليغ كما في قلت له كذا إذا خاطبته به، وقيل لام الأجل أي قالوا لأجلهم وفي حقهم، ورجح الأول بأن قولهم ليس في حق المؤمنين فقط كما ينطق به قوله تعالى: {أَىُّ الفريقين} أي المؤمنين والكافرين كأنهم قالوا: أينا {خَيْرٌ} نحن أو أنتم {مَقَامًا} أي مكانًا ومنزلًا، وأصله موضع القيام ثم استعمل لمطلق المكان.
وقرأ ابن كثير وابن محيصن وحميد والجعفي وأبو حاتم عن أبي عمرو {مَقَامًا} بضم الميم وأصله موضع الإقامة، والمراد به أيضًا المنزلة والمكان فتتوافق القراءتان. وجوز في البحر احتمال المفتوح والمضمون للمصدرية على أن الأصل مصدر قام يقوم، والثاني مصدر أقام يقيم، ورأيت في بعض المجموعات كلامًا ينسب لأبي السعود عليه الرحمة في الفرق بين المقام بالفتح والمقام بالضم وقد سأله بعضهم عن ذلك بقوله:
يا وحيد الدهر يا شيخ الأنام ** نبتغي فرق المقام والمقام

وهو أن الأول يعني المفتوح الميم موضع قيام الشيء أعم من أن يكون قيامه فيه بنفسه أو بإقامة غيره ومن أن يكون ذلك بطريق المكث فيه أو بدونه، والثاني موضع إقامة الغير إياه أو موضع قيامه بنفسه قيامًا ممتدًا، فإن كان الفعل الناصب ثلاثيًا فمقتضى المقام هو الأول، وكذا إن كان رباعيًا ولم يقصد بيان كون المقام موضع قيام المضاف إليه بإقامة غيره أو موضع قيامه الممتد، وأما إذا قصد ذلك فمقتضاه الثاني كما إذا قلت: أقيمت تاء القسم مقام الواو تنبيها على أنها خلف عن الباء التي هي الأصل من أحرم القسم. ومقامات الكلمات كلها وإن كانت منوطة بوضع الواضع لكن مقامها المنوط بأصل الوضع لكونه مقامًا أصليًا لها قد نزل منزلة موضع قيامها بأنفسها وجعل مقامها المنوط بالاستعمال الطارىء جاريًا مجرى المقام الاضطراري لذوات الاختيار، هذا إذا كان المقام ظرفًا أو إذا كان مصدرًا ميميًا والفعل الناصب رباعي فحقه ضم الميم انتهى المراد منه.
وأنت تعلم أنه في هذا المقام ليس منصوبًا على الظرفية ولا على المصدرية بل منصوب على التمييز وهو محول عن المبتدأ على ما قيل: أي الفريقين مقامه خير {وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} أي مجلسًا ومجتمعًا، وفي (البحر) هو المجلس الذي يجتمع فيه لحادثة أو مشورة. وقيل: مجلس أهل الندى أي الكرم. وكذا النادي يروى أنهم كانوا يرجلون شعورهم ويدهنونها ويتطيبون ويلبسون مفاخر الملابس ثم يقولون ذلك لفقراء المؤمنين الذين لا يقدرون على ذلك إذا تليت عليهم الآيات، قال الإمام: ومرادهم من ذلك معارضة المؤمنين كأنهم قالوا: لو كنتم على الحق وكنا على الباطل كان حالكم في ألدنيا أحسن وأطيب من حالنا لأن الحكيم لا يليق به أن يوق أولياءه المخلصين في العذاب والذل وأعءاه المعرضين عن خدمته في العز والراحة لكن الكفار كانوا في النعمة والراحة والمؤمنين كانوا بعكس ذلك فعلم أن الحق ليس مع المؤمنين، وهذا مع ظهور أنه قياس عقيم ناشيء من رأسي سقيم نقضه الله تعالى وأبطله بقوله سبحانه: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِءيًا}. وحاصلة أن كثرًا ممن كان أعظم نعمة منكم في الدنيا كعاد وثمود واضرابهم من الأمم العاتية قد أهلكهم الله تعالى فلو دل حصول نعمة الدنيا للإنسان على كونه مكرمًا عند الله تعالى وجب أن لا يهلك أحدًا من المتنعمين في الدنيا، وفيه من التهديد والوعيد ما لا يخفى كأنه قيل فلينظر هؤلاء أيضًا مثل ذلك، و{كَمْ} خبرية للتكثير مفعول {أَهْلَكْنَا}، وقدمت لصدارتها، وقيل: استفهامية والأول هو الظاهر و{مّن قَرْنٍ} بيان لإبهامها. والقرن أهل كل عصر، وقد اختلف في مدته وهو من قرن الدابة سمي به لنقدمه، ومنه قرن الشمس لأول ما يطلع منها.
و{هُمْ أَحْسَنُ} في حيز النصب على ما ذهب إليه الزمخشري وتبعه أبو البقاء صفة لكم ورده أبو حيان بأنه قد صرح الأصحاب بأن كم سواء كان خبرية أو استفهامية لا توصف ولا يوصف بها، وجعله صفة {قَرْنٍ} وضمير الجمع لاشتمال القرن على أفراد كثيرة ولو أفرد الضمير لكان عربيًا أيضًا.
ولا يرد عليه كما قال الخفاجي: كمن من رجل قام وكم من قرية هلكت بناء على أن الجار والمجرور يتعين تعلقه بمحذوف هو صفة لكم كما ادعى بعضهم أن الرضى أشار إليه لأنه يجوز في الجار والمجرور أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف والجملة مفسرة لا محل لها من الإعراب فما ادعى غير مسلم عنده، و{أَثَاثًا} تمييز وهو متاع البيت من الفرش والثياب وغيرها واحدها أثاثة، وقيل: لا واحد لها وقيل: الأثاث ماجد من المتاع والخرثي ما قدم وبلى، وأنشد الحسن بن علي الطوسي:
تقادم العهد من أم الوليد بنا ** دهرًا وصار أثاث البيت خرثيًا

والرئى المنظر كما قال ابن عباس، وغيره، وهو فعل بمعنى مفعول من الرؤية كالطحن والسقي.
وقرأ الزهري، وأبو جعفر، وشيبة، وطلحة في رواية الهمداني، وأيوب، وابن سعدان، وابن ذكوان وقالون {ريا} بتشديد الياء من غير همز فاحتمل أن يكون من ذلك على قلب الهمزة ياء وإدغامها.
واحتمل أن يكون من الري ضد العطش والمراد به النضارة والحسن.
وقرأ أبو بكر في رواية الأعمش {ريئا} بياء ساكنة بعدها همزة وهو على القلب ووزنه فلعا، وقرئ {رياء} بيداء بعدها ألف بعدها همزة حكاها اليزيدي. ومعناها كما في (الدر المصون) مراءاة بعضهم بعضًا.
وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما {ريا} بحذف الهمزة والقصر فتجاسر بعض الناس وقال: هي لحز، وليس كذلك بل خرجت على وجهين أحدهما أن يكون الأصل {ريا} بتشديد الياء فخفف بحذف إحدى الياءين وهي الثانية لأنها التي حصل بها الثقل ولأن الآخر محل التغيير وذلك كما حذفت في لاسيما.
والثاني أن يكون الأصل {ريئا} بياء ساكنة بعدها همزة فنقلت حركة الهمزة إلى الياء ثم حذفت على القاعدة المعروفة.
وقرأ ابن عباس أيضًا وابن جبير ويزيد البربري والأعصم المكي {زيا} بالزاي وتشديد الياء وهو المحاسن المجموعة يقال: زواه زيا بالفتح أي جمعه، ويراد منه الأثاث أيضًا كما ذكره المبرد في قول الثقفي:
أشاقتك الظعائن يوم بانوا ** بذي الزي الجميل من الأثاث

والظاهر في الآية المعنى الأولى. {قُلْ مَن كَانَ في الضلالة} إلخ. أمر منه تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن يجيب هؤلاء المفتخرين بما لهم من الحظوظ الدنيوية على المؤمنين ببيان مآل أمر الفريقين إما على وجه كلي متناول لهم ولغيرهم من المنهمكين في اللذة الفانية المبتهجين بها على أن من على عممها، وإما على وجه خاص بهم على أنها عبارة عنهم.
ووصفهم بالتمكن في الضلالة لذمهم والاشعار بعلة الحكم أي من كان مستقرًا في الضلالة مغمورًا بالجهل والغفلة عن عواقب الأمور {فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مَدًّا} أي يمد سبحانه له ويمهله بطول العمر وإعطاء المال والتمكن من التصرفات فالطلب في معنى الخبر، واختير للإيذان بأن ذلك مما ينبغي أن يفعل بموجب الحكمة لقطع المعاذير كما ينبىء عنه قوله تعالى: {أَوَ لَمْ نُعَمّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ} [فاطر: 37] فيكون حاصل المعنى من كان في الضلالة فلا عذر له فقد أمهله الرحمن ومد له مدًا، وجوز أن يكون ذلك للاستدراج كما ينطق به قوله تعالى: {إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًَا} [آل عمران: 178] وحاصل المعنى من كان في الضلالة فعاده الله تعالى أن يمد له ويستدرجه ليزداد إثمًا، وقيل: المراد الدعاء بالمد إظهارًا لعدم بقاء عذر بعد هذا البيان الواضح فهو على أسلوب {رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ} [يونس: 88] إن حمل على الدعاء، قال في (الكشف): الوجه الأول أوفق بهذا المقام، والتعرض لعنوان الرحمانية لما أن المدمن أحكامها {حتى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ} إلى آخرها غاية للمد وجمع الضمير في الفعلين باعتبار معنى من كما أن الأفراد في الضميرين الأولين باعتبار لفظها، وما اسم موصول والجملة بعده صلة والعائد محذوف أي الذي يوعدونه، واعتبار ما مصدرية خلاف الظاهر.
وقوله تعالى: {إِمَّا العذاب وَإِمَّا الساعة} بدل من {مَا} وتفصيل للموعود على طريقة منع الخلو، والمراد بالعذاب الدنيوي بغلبة المؤمنين واستيلائهم عليهم، والمراد بالساعة قيل: يوم القيامة وهو الظاهر.
وقيل: ما يشمل حين الموت ومعاينة العذاب ومن مات فقد قامت قيامته وذلك لتتصل الغاية بالمغيا فإن المد لا يتصل بيوم القيامة، وأجيب بأن أمر الفاصل سهل لأن أمور هذه الدنيا لزوالها وتقضيها لا تعد فاصلة كما قيل: ذلك في قوله تعالى: {أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَارًا} [نوح: 25] وقوله تعالى: {فَسَيَعْلَمُونَ} جواب الشرط وهما في الحقيقة الغاية إن قلنا: إن المجموع هو الكلام أو مفهومه فقط إن قلنا: إنه هو الكلام والشرط قيد له، و{حتى} عند ابن مالك جارة وهي لمجرد الغاية لا جارة ولا عاطفة عند الجمهور وهكذا هي كلما دخلت على إذا الشرطية وهي منصوبة بالشرط أو الجزاء على الخلاف المشهور، والجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب، والمراد حتى إذا عاينوا ما يوعدون من العذاب الدنيوي أو الأخروي فقط فسيعلمون حينئذ {مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا} من الفريقين بأن يشاهدوا الأمر على عكس ما كانوا يقدرونه فيعلمون أنهم شر مكانًا لا خير مقامًا، وفي التعبير بالمكان هنا دون المقام المقبر به هناك مبالغة في إظهار سوء حالهم {وَأَضْعَفُ جُندًا} أي فئة وأنصارًا لا أحسن نديًا، ووجه التقابل أن حسن الندى باجتماع وجوه القوم وأعيانهم وظهور شوكتهم واستظهارهم.
وقيل: إن المراد من الندى هناك من فيه كما يقال المجلس العالي للتعظيم وليس المراد أن له ثمة جندًا ضعيفًا كلا {وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ الله وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا} [الكهف: 43] وإنما ذكر ذلك ردًا لما كانوا يزعمونه من أن لهم أعوانًا من شركائهم، والظاهر أن من موصولة وهي في محل نب مفعول {يَعْلَمُونَ} وتعدى إلى واحد لأن العلم بمعنى المعرفة، وجملة {هُوَ شَرٌّ} صلة الموصول.
وجوز أبو حيان كونها استفهامية والعلم على بابه والجملة في موضع نصب سادة مسد المفعولين وهو عند أبي البقاء فصل لا مبتدأ.
وجوز الزمخشري وظاهر صنيعه اختياره أن يكون ما تقدم غاية لقول الكفرة {أي الفريقين خَيْرٌ} [مريم: 73] إلخ.
وقوله تعالى: {كَمْ أَهْلَكْنَا} [مريم: 74].. إلخ. {وَقُلْ مَن كَانَ}.. إلخ. جملتان معترضتان للإنكار عليهم أي لا يبرحون يقولون هذا القول ويتولعون به لا يتكافون عنه إلى أن يشاهدوا الموعود رأي عن أما العذاب في الدنيا بأيدي المؤمنين وإما يوم القيامة وما ينالهم فيهم من الخزي والنكال فحينئذ يعلمون أن الأمر على عكس ما قدروه وتعقبه في البحر بأنه في غاية البعد لطول الفصل بين الغاية والمغيا مع أن الفصل بجملتي اعتراض فيه خلاف أبي علي فإنه لا يجيزه، وأنت تعلم أيضًا بعد إصلاح أمر انقطاع القول حين الموت وعدم امتداده إلى يوم القيامة أن اعتبار استمرار القول وتكرره لا يتم بدون اعتبار استمرار التلاوة لوقوع القول في حيز جواب إذا وهو كما ترى.
{وَيَزِيدُ الله الذين اهتدوا هُدًى}.
كلام مستأنف سيق لبيان حال المهتدين إثر بيان حال الضالين كما اختاره أبو السعود، واختار الزمخشري وتبعه أبو البقاء أنه عطف على موضع {فَلْيَمْدُدْ} [مريم: 75].. إلخ. ولم يجوزه أبو حيان سواء كان {فَلْيَمْدُدْ} دعاء أو خبرًا في صورة الطلب لأنه في موضع الخبر إن كانت من موصولة، وفي موضع الجزاء أن كانت شرطية وموضع المعطوف موضع المعطوف عليه والجملة التي جعلت معطوفة خالية من ضمير يربط الخبر بالمبتدأ والجواب بالشرط، وقيل عليه أيضًا: إن العطف غير مناسب من جهة المعنى كما أنه غير مناسب من جهة الإعراب إذ لا يتجه أن يقال: من كان في الضلالة يزيد الله الذي اهتدوا هدى.
وأجيب عن هذا بأن المعنى من كان في الضلالة زيد في ضلالته وزيد في هداية أعدائه لأنه مما يغيظه وعما سبق بأن من شرطية لا موصولة.
واشتراط ضمير يعود من الجزاء على اسم الشرط غير الظرف ممنوع وهو غير متفق عليه عند النحاة كما في (الدر المصون) مع أنه مقدر كما سمعت ولا يخفى أن هذا العطف لا يخلو عن تكلف، واختار البيضاوي أنه عطف على مجموع قوله تعالى: {مَن كَانَ في الضلالة فَلْيَمْدُدْ} [مريم: 75].. إلخ. ليتم التقابل فإنه صلى الله عليه وسلم أمر أن يجيبهم عن قولهم للمؤمنين {أي الفريقين} [مريم:73].. إلخ. فليأت بذكر القسمين أصالة.
قال الطيبي: فكأنه قيل: من كان في الضلالة من الفريقين فليمهله الله تعالى وينفس في مدة حياته ليزيد في الغي ويجمع الله تعالى له عذاب الدارين ومن كان في الهداية منهما يزيد الله تعالى هدايته فيجمع سبحانه له خير الدارين. وهذا الجواب من الأسلوب الحكيم وفيه معنى قول حسان:
أتهجوه ولست له بكفء ** فشركما لخير كما فداء

في الدعاء والاحتراز عن المواجهة، وفي (الكشف) أن هذا أولى مما اختاره الزمخشري {والباقيات الصالحات} قد تقدمت الأقوال المأثورة في تفسيرها، واختير أنها الطاعات التي تبقى فوائدها وتدوم عوائدها لعموم وكلها {خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَابًا} بمعناه المتعارف، وقيل: عائدة مما متع به الكفرة من النعم المخدجة الفنية التي يفتخرون بها {وَخَيْرٌ} من ذلك أيضًا {مَّرَدًّا} أي مرجعًا وعاقبة لأن عاقبتها المسرة الأبدية والنعيم المقيم وعاقبة ذلك الحسرة السرمدية والعذاب الأليم.
وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم من اللطف والتشريف ما لا يخفى. وتكرير الخير لمزيد الاعتناء ببيان الخيرية وتأكيد لها. وفي الآية على ما ذكره الزمخشري ضرب من التهجم بالكفرة حيث أشارت إلى تسمية جزائهم ثوابًا. والمفاضلة على ما قال على طريقة الصيف أحر من الشتاء أي أبلغ في حره من الشتاء في برده وليست على التهمكم لأنك لو قلت: النار خير من الزمهرير أو بالعكس تهكمًا كان التهكم على بابه في المفضل والمفضل عليه وذلك مما لا يتمش فيما نحن فيه. وحاصل ما أراده أن المراد ثواب هؤلاء أبلغ من ثواب أولئك أي عقابهم.
وقول (صاحب التقريب) فيه: إنه غير معلوم جوابه كيف لا وقد سبقت الرحمة الغضب وفي الجنة من الضعف والافضال ما لا يقادر قدره والنار من عدله تعالى، وقوله: إنه غير مناسب لمقام التهديد مع ما فيه من المنع يرد عليه أن الكلام مبني على التقابل وأنه على المشاكلة في قولهم: {أَىُّ الفريقين خَيْرٌ مَّقَامًا وأحسن نديا} [مريم: 37] فوعد هؤلاء ليس لمجرد تهديد أولئك بل مقصود لذاته قاله في (الكشف).
وقال صاحب الفرائد: ما قاله الزمخشري بعيد عن الطبع والاستعمال وليس في كلامهم ما يشهد له، ويمكن أن يقال: المراد ثواب الأعمال الصالحة في الآخرة خير من ثوابهم في الدنيا وهو ما حصل لهم منها من الخير بزعمهم ومما أوتوا من المال والجاه والمنافع الحاصلة منهما اه، ورد إنكاره له بأن الزجاج ذكره في قوله تعالى: {أذلك خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الخلد التي وَعِدَ المتقون} [الفرقان: 15] وأن له نظائر. والبعد عن الطبع في حيز المنع.
وقال بعض المحققين: إن أفعل في الآية للدلالة على الاتصاف بالحدث وعلى الزيادة المطلقة كما قيل في يوسف عليه السلام أحسن إخوته وهي إحدى حالاته الأربع التي ذكرها بعض علماء العربية، فالمعنى أن ثوابهم ومردهم متصف بالزيادة في الخيرية على المتصف بها بقطع النظر عن هؤلاء المفتخرين بدنياهم فلا يلزم مشاركتهم في الخيرية فتأمل.
والجملة على ما ذهب إليه أبو السعود على تقديري الاستئناف والعطف فيما قبلها مستأنفة واردة من جهته تعالى لبيان فضل أعمال المهتدين غير داخلة في حيز الكلام الملقن لقوله سبحانه: {عِندَ رَبّكَ}، وقال العلامة الطيبي: الذي يقتضيه النظم الكريم أن هذه الجملة تتميم لمعنى قوله سبحانه: {وَيَزِيدُ الله الذين اهتدوا هُدًى} ومشتملة على تسلية قلوب المؤمنين مما عسى أن يختلج فيها من مفاخرة الكفرة شيء كما أن قوله تعالى: {حتى إِذَا رَأَوْاْ إلى جُندًا} [مريم: 75] تتميم لوعيدهم، وكلاهما من تتمة الأمر بالجواب عن قولهم: {أَىُّ الفريقين خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} [مريم: 73]، وجعل التعبير بخير واردًا على طريق المشاكلة. وما ذكره من كون ذلك من تتمة الجواب هو المنساق إلى الذهن إلا أن ظاهر الخطاب يأباه وقد يتكلف له، ولعلنا قد أسلفنا في هذه السورة ما ينفعك في أمره فتذكر. اهـ.